محب الخير
06-16-2008, 12:41 AM
أهل الحديث والعقلانيّة
حامد الحامد
حينما نتحدث عن العقلانية فإننا نتحدث عن أمر شرعي وقانون سماوي امتازت به الطبائع الإنسانية عن غيرها من المخلوقات الحيوانية.
وبسبب العقلانية كان التكريم والتكليف لبني آدم.
وإذا كان بنو آدم إنما يشرفون بالعلم، فإن العلم لا يشرف بالمحفوظات بقدر ما يشرف بالعقلانية.
وبعد:
فهل نتحدث عن مفهوم العقلانية ابتداءً قبل تحريف الغالين وانتحال المبطلين؟
أم نتحدث عن تصحيحات يجب أن نقوم بها لمفهوم العقلانية؟
أم نتحدث عن أهل العقلانية ومن أكرمهم الله تعالى بتطبيق هذا المفهوم بعيداً عن الدعاوى العريضة والظنون المريضة؟
أهل الحديث والعقلانية:
لست مادحاً ولا قادحاً، ولكنها دعاوى عليها بيّناتها؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
وسواء كانت المسائل مسائل علمية أو عملية، وسواء في علم الحديث أو علم الفقه.
ولك أن تتصفح تلك الموسوعات كسنن الترمذي أو فتح الباري لابن رجب أو المغني لابن قدامة أو غيرها، والتي تنقل آراء هؤلاء لترى مدى المعايير العقلية التي بنى عليها أولئك الأئمة من أهل الحديث مبادئهم واعتقاداتهم في المسائل العلمية والعملية.
ولك أن تنظر في طريقة نقدهم للأحاديث لترى، وتتعجب كيف يمارس هؤلاء نظرية النقد للنصوص النبوية بطريقة عقلانية بعيدة عن سفسطة المتفلسفين ونظريات المتكلفين.
وأوضح مثال على عقلانية هؤلاء عندما تنظر في آرائهم حول الأحاديث الشاذة والمنكرة لترى المعايير العقلانية المبنية على أسس صحيحة.
وإني لأتعجب: أين يُذهَب بنا عن هؤلاء؟!
ثم أما بعد:
فكم سمعنا وكم قرأنا من مقالات وكتابات تصف المعتزلة بالعقلانيين، المستقدمين منهم والمستأخرين!
وبالمقابل فيوصف أهل الحديث بالجمود والوقوف على ظاهر النصوص.
ويالله كيف تُقلب الموازين!!
أعقلانية عند من ألغى عقله مؤمناً بنظرية قالها فيلسوف من الفلاسفة؟!
وبعضهم يؤمن بنظريات هو بحاجة لتصورها قبل تصديقها.
وبعضهم يؤمن بها لأنها لفلان! وربما لا يدري ما صحتها عنه!
ثم تجده يكافح وينافح حتى يُقال: عظيم! وقد قيل.
وكثير من هؤلاء يتخذ من النظريات العقلية التي قالها فلان وفلان حجاباً لستر عورته دون التوصل إلى الحقيقة، وربما تجد النظرية وخلافها، وكل واحدة لها موقعها في الخصام.
وبالمقابل فالذين أنعم الله عليهم تجدهم قد أجهدوا عقولهم للتوصل إلى أقوال المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم بقواعد عقلية واقعية صحيحة.
ثم تجدهم -بعد التسليم بالنقل- يعرضونه على العقل -مرة أخرى- لتحديد مفهومه وتوضيح وقائعه، لا لردّه وإبطاله، وإنما لإنزاله في منـزله.
فالعقل عندهم لصحة الإسناد، والعقل عندهم لصحة المتن، والعقل عندهم لمفهوم المتن.
وربما سمعت عندهم الأحاديث التي نقلوا الإجماع على عدم العمل بها مع صحتها!
وقد ذكر ابن رجب -رحمه الله- أن الحفاظ المتقدمين (لهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه).
وذلك لأنك إذا أردت أن تلحق جزئياً شرعياً أو كونياً بقاعدة كلية فلن يسلم ذلك الجزئي من قرائن وسياقات واعتراضات تحتفّ به، وبحسب قوتها يكون تأثيرها على القاعدة الكلية؛ ولذا قال الأصوليون: (ما من عام إلاّ وقد دخله التخصيص).
وأما العقلانيون من أرباب الكلام فدعواهم العقلانية كلام! وذلك لأنهم يضعون قواعد عقلية ويزعمون اطّرادهم فيها، مع أن إلحاق الجزئي بالكلي أبداً من غير نظر للقرائن والمعارضات مخالف للسنن الكونية والشرعية؛ والقاعدة كلما اتسعت ضعف مدلولها على الجزئيات.
وكما أن النصوص النبوية تحتاج إلى إسناد نقلي، فكذلك القواعد العقلية تحتاج إلى إسناد عقلي، وكلا الإسنادين تحتفّ بهما قرائن وتدخل عليهما اعتراضات تؤثر فيهما.
ولن تجد كأهل الحديث في نظرهم للقرائن وسلامة النقل والعقل من الاعتراضات، وليسوا كغيرهم.
فأيّ الفريقين أهدى سبيلاً، وأصدق قيلاً؟!
حامد الحامد
حينما نتحدث عن العقلانية فإننا نتحدث عن أمر شرعي وقانون سماوي امتازت به الطبائع الإنسانية عن غيرها من المخلوقات الحيوانية.
وبسبب العقلانية كان التكريم والتكليف لبني آدم.
وإذا كان بنو آدم إنما يشرفون بالعلم، فإن العلم لا يشرف بالمحفوظات بقدر ما يشرف بالعقلانية.
وبعد:
فهل نتحدث عن مفهوم العقلانية ابتداءً قبل تحريف الغالين وانتحال المبطلين؟
أم نتحدث عن تصحيحات يجب أن نقوم بها لمفهوم العقلانية؟
أم نتحدث عن أهل العقلانية ومن أكرمهم الله تعالى بتطبيق هذا المفهوم بعيداً عن الدعاوى العريضة والظنون المريضة؟
أهل الحديث والعقلانية:
لست مادحاً ولا قادحاً، ولكنها دعاوى عليها بيّناتها؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
وسواء كانت المسائل مسائل علمية أو عملية، وسواء في علم الحديث أو علم الفقه.
ولك أن تتصفح تلك الموسوعات كسنن الترمذي أو فتح الباري لابن رجب أو المغني لابن قدامة أو غيرها، والتي تنقل آراء هؤلاء لترى مدى المعايير العقلية التي بنى عليها أولئك الأئمة من أهل الحديث مبادئهم واعتقاداتهم في المسائل العلمية والعملية.
ولك أن تنظر في طريقة نقدهم للأحاديث لترى، وتتعجب كيف يمارس هؤلاء نظرية النقد للنصوص النبوية بطريقة عقلانية بعيدة عن سفسطة المتفلسفين ونظريات المتكلفين.
وأوضح مثال على عقلانية هؤلاء عندما تنظر في آرائهم حول الأحاديث الشاذة والمنكرة لترى المعايير العقلانية المبنية على أسس صحيحة.
وإني لأتعجب: أين يُذهَب بنا عن هؤلاء؟!
ثم أما بعد:
فكم سمعنا وكم قرأنا من مقالات وكتابات تصف المعتزلة بالعقلانيين، المستقدمين منهم والمستأخرين!
وبالمقابل فيوصف أهل الحديث بالجمود والوقوف على ظاهر النصوص.
ويالله كيف تُقلب الموازين!!
أعقلانية عند من ألغى عقله مؤمناً بنظرية قالها فيلسوف من الفلاسفة؟!
وبعضهم يؤمن بنظريات هو بحاجة لتصورها قبل تصديقها.
وبعضهم يؤمن بها لأنها لفلان! وربما لا يدري ما صحتها عنه!
ثم تجده يكافح وينافح حتى يُقال: عظيم! وقد قيل.
وكثير من هؤلاء يتخذ من النظريات العقلية التي قالها فلان وفلان حجاباً لستر عورته دون التوصل إلى الحقيقة، وربما تجد النظرية وخلافها، وكل واحدة لها موقعها في الخصام.
وبالمقابل فالذين أنعم الله عليهم تجدهم قد أجهدوا عقولهم للتوصل إلى أقوال المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم بقواعد عقلية واقعية صحيحة.
ثم تجدهم -بعد التسليم بالنقل- يعرضونه على العقل -مرة أخرى- لتحديد مفهومه وتوضيح وقائعه، لا لردّه وإبطاله، وإنما لإنزاله في منـزله.
فالعقل عندهم لصحة الإسناد، والعقل عندهم لصحة المتن، والعقل عندهم لمفهوم المتن.
وربما سمعت عندهم الأحاديث التي نقلوا الإجماع على عدم العمل بها مع صحتها!
وقد ذكر ابن رجب -رحمه الله- أن الحفاظ المتقدمين (لهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه).
وذلك لأنك إذا أردت أن تلحق جزئياً شرعياً أو كونياً بقاعدة كلية فلن يسلم ذلك الجزئي من قرائن وسياقات واعتراضات تحتفّ به، وبحسب قوتها يكون تأثيرها على القاعدة الكلية؛ ولذا قال الأصوليون: (ما من عام إلاّ وقد دخله التخصيص).
وأما العقلانيون من أرباب الكلام فدعواهم العقلانية كلام! وذلك لأنهم يضعون قواعد عقلية ويزعمون اطّرادهم فيها، مع أن إلحاق الجزئي بالكلي أبداً من غير نظر للقرائن والمعارضات مخالف للسنن الكونية والشرعية؛ والقاعدة كلما اتسعت ضعف مدلولها على الجزئيات.
وكما أن النصوص النبوية تحتاج إلى إسناد نقلي، فكذلك القواعد العقلية تحتاج إلى إسناد عقلي، وكلا الإسنادين تحتفّ بهما قرائن وتدخل عليهما اعتراضات تؤثر فيهما.
ولن تجد كأهل الحديث في نظرهم للقرائن وسلامة النقل والعقل من الاعتراضات، وليسوا كغيرهم.
فأيّ الفريقين أهدى سبيلاً، وأصدق قيلاً؟!