علي الدهامي
09-10-2008, 03:59 PM
مدن من أنوف !!
أحلام تتوه في زحام أحلام ، وأقلام جف ضرعها بعد أن كانت ملء السمع و البصر كانت رحلة الهروب .. كان توجهي في البداية أدبيا صرفا ، كنت اعشق الأدب ( و هذا لايعني ان فاقد الشيء يبحث عنه ) .. !!
تغربت عن بلدتي الصغيرة أحمل شهادة الابتدائية.. و قد رشّحت نفسي لاكمال الدراسة !!
تركت والدتي و حدها في البيت .. و اتجهت شرقا .. الى حيث شقة الحرية .. لم يكن هناك ثمة وسيلة للاتصال بوالدتي الا عن طريق الرسائل التي يحملها ( السواويق ) .. يأس و ملل .. فلما وصلت الى (العارض) بعد رحلة دامت ثلاثة ايام، غرزت فيها اطارات السيارات في ثرى نجد .. حتى ثملت. رحلة بقرن .. وقرن برحلة !!
كنت أقرأ ( حمار الحكيم ) أعزكم الله .. فلا أذكر أنني غادرت صفحة الا وتأتينا لهجة آمرة من السائق ( أن انزلوا وهاتوا الأخشاب .. و ضعوها تحت ( العنترناش) .. ثم ندفع السيارة بكل ما أوتينا من قوة .. (كنت أكثرهم حماسا فأنا أعرف ما و من ورائي) !! .. فإن استطعنا إخراج السيارة فبها و نعمت، و اكملنا الطريق .. و الا بتنا بجانب السيارة عله يأتينا الفرج بسيارة في الغد .. أو بعده ربما ..
وصلنا إلى العارض ( الرياض ) .. لنبدأ رحلة البحث عن الذات .. أو لأكن أكثر دقة .. رحلة الذات للبحث عنا.. كثيرة هي الطرق .. و لكن أيها يؤدي الى روما ؟
و أنا الآن في روما .. فأي الطرق أسلك؟ لم يكن هناك الكثير من الخيارات .. فالأمس مثل اليوم .. وذاكرة التاريخ لا تمل التكرار!!
أرسلت غربي لعلي لأجد الماء .. فقد كنت ظمآنا حد الاحتراق .. و لكن يبدو أن المُرس قد خانني كما يفعل كل مرة ..
أرسلت غربك تبغي الماء مجتهدا و ما على الغرب لما خانك المرس !!
في البدء كانت الرياض جميلة .. و لا يعرفني فيها أحد من ذوي الأنوف الطويلة .. خلت أن الدنيا كلها أنف .. فلما غادرت قريتي الصغيرة .. أحسست بخفة .. كأن تلك الأنوف بكل كم اللحم المتكتل فيها رابضة على رأسي و صدري .. بل كأنها تدلني على طريق التطابق الاجتماعي ..
ليس لي إلا الإدراك بحاسة واحدة هي الأنف .. بنسيج متناغم مع فكر الأنوف .. فكنت أفعل ..
كان مجتمعي كسجادة حيكت بيد فنان شيرازي .. لا تدري من أين ابتدأ و لا أين عقدة النهاية .. كل ما تراه هو وحدة فنية واحدة ..
لم يكن مجتمع القرية طاهرا عل أية حال!! فقد كان هناك السكّير .. و هناك المدخّن .. و هناك زير النساء .. وهناك الإناث اللعوبات .. !!
و إزاء ما يحصل .. لا يمكنك إلا الصمت ، إذا ما وبخك أحدهم على تأخرك عن صلاة الفجر .. ورائحة فمه مزيج من البصل النيء و الخمرة .. و السواك في يده .. ويده الأخرى تهوي على صدغك !! فتبكي بهدوء .. وانت منزوٍ .. حتى تجف عيناك أو يتآكل خداك اللذين خددتهما كفوفهم .. كنت أتتبع بأنفي أنوفهم العارية الملتصقة بأنوف أخرى .. في منظر يغريك بفضح الأنوف !! كان هذا يحدث في سطح البيت .. حيث تتنفس الانوف .. في جلسة صاخبة يفضي فيها كل أنف للآخر حرامه .. ثم يمضيان ، و يسبقهما أنفي الذي أصبح يكتنز أسرار الانوف !!
لم أكن بحاجة الى تتبع أولئك المساكين لاكشف أسرارهم ( ولكن هو أنفي ) كما لهم أنوف .. فقد كنت أمتلك من الكتب الكثير التي تتحدث عن مثل هذه الظواهر .. نيتشه مجّد هؤلاء القوم .. و وصفهم بالرجل السوبرمان .. لكن !!
لم يكونوا أكثر من أدوات بسيطة على رقعة الشطرنج .. كالجنود حافين من حول الملك .. يناور بهم لحماية قلعته .. فهم أول الضحايا .. حينما يستلزم الأمر تضحية .. و كانوا الأذن التي تستمع لما يقوله الملك حينما يحشد الجماهير .. كما قال ( غوستاف لو بون ) .. فلا ملك بدون شعب .. ولا شعب بدون ملك .. و طالما أنهم مؤيدون للسلطة .. فان السلطة تغض الطرف عنهم .. و هم يغضون الطرف عنها .. يئس منهم حتى كارل ماركس .. في تعبئتهم ضد البورجوازية .. فغض عنهم الطرف .. وبنى نظريته على الأوربيين ..
كانوا أداة طيعة في يد الإقطاعي ( أبو صالح ) .. كما كان أمير قريتنا الصغيرة الرجل المسالم في حضرة أبي الحسن الصباح !..
هم في حاجة للمال .. و قد اعتادوا مذلة السؤال .. و أبا لحسن الصباح ( أبوصالح ) زعيم الحشاشين .. يدخلهم جنته .. ويخرجهم منها ..
لا عمل لهم الا الكسل .. حتى ملوه و ملهم و مجّوه ومجهم ..
لكنهم أبدا لم يبتعدوا عن أبي صالح ..
لاشيء يثير أبو صالح مثلما يفعله الخروج و التعدي على النسق الاجتماعي ..
( كان هو بالفعل سوبرمان نيتشه ) .. و كنا الرعاع .. وكان تطابقنا الاجتماعي .. هو سر قوته .. غير القابل للنقاش ..
على أنني لما سكنت في حي ( أم سليم ) في الرياض .. وجدت أبا صالح .. بل الكثير منهم .. و بدأ رأسي يئن من ثقل الانوف .. صحيح أنها كتل لحمية أصغر مما في القرية .. لكنها تظل أنوفا .. بفتحتين .. مليئة بالمخاط اللزج .. المتكوم داخلها ..
هي قريتي .. و هذه مدينتي .. و سأذهب غدا الى مدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة وسأجد أنوفا .. و سأبتعث الى أرض الكنانة .. و سأحاط بالألوف من الأنوف ..!!
فلتحيا الانوف شمّا عرانينا ..
و لتسقط كل الاقنعة ..
و لكن ( على الوجوه ) !!
أحلام تتوه في زحام أحلام ، وأقلام جف ضرعها بعد أن كانت ملء السمع و البصر كانت رحلة الهروب .. كان توجهي في البداية أدبيا صرفا ، كنت اعشق الأدب ( و هذا لايعني ان فاقد الشيء يبحث عنه ) .. !!
تغربت عن بلدتي الصغيرة أحمل شهادة الابتدائية.. و قد رشّحت نفسي لاكمال الدراسة !!
تركت والدتي و حدها في البيت .. و اتجهت شرقا .. الى حيث شقة الحرية .. لم يكن هناك ثمة وسيلة للاتصال بوالدتي الا عن طريق الرسائل التي يحملها ( السواويق ) .. يأس و ملل .. فلما وصلت الى (العارض) بعد رحلة دامت ثلاثة ايام، غرزت فيها اطارات السيارات في ثرى نجد .. حتى ثملت. رحلة بقرن .. وقرن برحلة !!
كنت أقرأ ( حمار الحكيم ) أعزكم الله .. فلا أذكر أنني غادرت صفحة الا وتأتينا لهجة آمرة من السائق ( أن انزلوا وهاتوا الأخشاب .. و ضعوها تحت ( العنترناش) .. ثم ندفع السيارة بكل ما أوتينا من قوة .. (كنت أكثرهم حماسا فأنا أعرف ما و من ورائي) !! .. فإن استطعنا إخراج السيارة فبها و نعمت، و اكملنا الطريق .. و الا بتنا بجانب السيارة عله يأتينا الفرج بسيارة في الغد .. أو بعده ربما ..
وصلنا إلى العارض ( الرياض ) .. لنبدأ رحلة البحث عن الذات .. أو لأكن أكثر دقة .. رحلة الذات للبحث عنا.. كثيرة هي الطرق .. و لكن أيها يؤدي الى روما ؟
و أنا الآن في روما .. فأي الطرق أسلك؟ لم يكن هناك الكثير من الخيارات .. فالأمس مثل اليوم .. وذاكرة التاريخ لا تمل التكرار!!
أرسلت غربي لعلي لأجد الماء .. فقد كنت ظمآنا حد الاحتراق .. و لكن يبدو أن المُرس قد خانني كما يفعل كل مرة ..
أرسلت غربك تبغي الماء مجتهدا و ما على الغرب لما خانك المرس !!
في البدء كانت الرياض جميلة .. و لا يعرفني فيها أحد من ذوي الأنوف الطويلة .. خلت أن الدنيا كلها أنف .. فلما غادرت قريتي الصغيرة .. أحسست بخفة .. كأن تلك الأنوف بكل كم اللحم المتكتل فيها رابضة على رأسي و صدري .. بل كأنها تدلني على طريق التطابق الاجتماعي ..
ليس لي إلا الإدراك بحاسة واحدة هي الأنف .. بنسيج متناغم مع فكر الأنوف .. فكنت أفعل ..
كان مجتمعي كسجادة حيكت بيد فنان شيرازي .. لا تدري من أين ابتدأ و لا أين عقدة النهاية .. كل ما تراه هو وحدة فنية واحدة ..
لم يكن مجتمع القرية طاهرا عل أية حال!! فقد كان هناك السكّير .. و هناك المدخّن .. و هناك زير النساء .. وهناك الإناث اللعوبات .. !!
و إزاء ما يحصل .. لا يمكنك إلا الصمت ، إذا ما وبخك أحدهم على تأخرك عن صلاة الفجر .. ورائحة فمه مزيج من البصل النيء و الخمرة .. و السواك في يده .. ويده الأخرى تهوي على صدغك !! فتبكي بهدوء .. وانت منزوٍ .. حتى تجف عيناك أو يتآكل خداك اللذين خددتهما كفوفهم .. كنت أتتبع بأنفي أنوفهم العارية الملتصقة بأنوف أخرى .. في منظر يغريك بفضح الأنوف !! كان هذا يحدث في سطح البيت .. حيث تتنفس الانوف .. في جلسة صاخبة يفضي فيها كل أنف للآخر حرامه .. ثم يمضيان ، و يسبقهما أنفي الذي أصبح يكتنز أسرار الانوف !!
لم أكن بحاجة الى تتبع أولئك المساكين لاكشف أسرارهم ( ولكن هو أنفي ) كما لهم أنوف .. فقد كنت أمتلك من الكتب الكثير التي تتحدث عن مثل هذه الظواهر .. نيتشه مجّد هؤلاء القوم .. و وصفهم بالرجل السوبرمان .. لكن !!
لم يكونوا أكثر من أدوات بسيطة على رقعة الشطرنج .. كالجنود حافين من حول الملك .. يناور بهم لحماية قلعته .. فهم أول الضحايا .. حينما يستلزم الأمر تضحية .. و كانوا الأذن التي تستمع لما يقوله الملك حينما يحشد الجماهير .. كما قال ( غوستاف لو بون ) .. فلا ملك بدون شعب .. ولا شعب بدون ملك .. و طالما أنهم مؤيدون للسلطة .. فان السلطة تغض الطرف عنهم .. و هم يغضون الطرف عنها .. يئس منهم حتى كارل ماركس .. في تعبئتهم ضد البورجوازية .. فغض عنهم الطرف .. وبنى نظريته على الأوربيين ..
كانوا أداة طيعة في يد الإقطاعي ( أبو صالح ) .. كما كان أمير قريتنا الصغيرة الرجل المسالم في حضرة أبي الحسن الصباح !..
هم في حاجة للمال .. و قد اعتادوا مذلة السؤال .. و أبا لحسن الصباح ( أبوصالح ) زعيم الحشاشين .. يدخلهم جنته .. ويخرجهم منها ..
لا عمل لهم الا الكسل .. حتى ملوه و ملهم و مجّوه ومجهم ..
لكنهم أبدا لم يبتعدوا عن أبي صالح ..
لاشيء يثير أبو صالح مثلما يفعله الخروج و التعدي على النسق الاجتماعي ..
( كان هو بالفعل سوبرمان نيتشه ) .. و كنا الرعاع .. وكان تطابقنا الاجتماعي .. هو سر قوته .. غير القابل للنقاش ..
على أنني لما سكنت في حي ( أم سليم ) في الرياض .. وجدت أبا صالح .. بل الكثير منهم .. و بدأ رأسي يئن من ثقل الانوف .. صحيح أنها كتل لحمية أصغر مما في القرية .. لكنها تظل أنوفا .. بفتحتين .. مليئة بالمخاط اللزج .. المتكوم داخلها ..
هي قريتي .. و هذه مدينتي .. و سأذهب غدا الى مدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة وسأجد أنوفا .. و سأبتعث الى أرض الكنانة .. و سأحاط بالألوف من الأنوف ..!!
فلتحيا الانوف شمّا عرانينا ..
و لتسقط كل الاقنعة ..
و لكن ( على الوجوه ) !!